سيد محمد طنطاوي
284
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها والصحيح ما رواه الأئمة أن أنسا قال : « حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا القليل ، وعامة خمرها البسر والتمر » . واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم - أي : أواني الخمر - وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر « 1 » - أي : وأقرهم رسول اللَّه على ذلك . وقال الآلوسي : وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ، أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده فهو حرام ، وقليله ككثيره ، ويحد شاربه ويقع طلاقه ، ونجاسته غليظة . وفي الصحيحين أنه صلى اللَّه عليه وسلم سئل عن النقيع - وهو نبيذ العسل - فقال : « كل شراب أسكر فهو حرام » . وروى أبو داود : « نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر » . وصح عنه صلى اللَّه عليه وسلم : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » . والأحاديث متضافرة على ذلك . ولعمري إن اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ، ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير . وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية والإكسير - ونحوهما ، ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة ، وتبيح شربها للأمة - وهيهات هيهات - فالأمر وراء ما يظنون وإنا للَّه وإنا إليه راجعون « 2 » . 3 - قال القرطبي ما ملخصه : « فهم الجمهور من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكم بنجاستها . وخالفهم في ذلك - ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي . وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها . والصحيح ما عليه الجمهور لأن وصفها بأنها * ( رِجْسٌ ) * يدل على نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة . وقوله : * ( فَاجْتَنِبُوه ) * يقتضى الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في هذا الباب . روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم راوية خمر ، - أي قربة خمر -
--> ( 1 ) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 149 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 113